
لما أمي نقلت لي الكلام، قلبي اتعصر لحظة على البنت المريضة اللي ملهاش ذنب، بس افتكرت على طول صور الشات، وكلمة “جحيم”، وإهانته لي ولأصلي ومقامي. قعدت مع نفسي وقُلت: “الرحمة حلوة، بس الرحمة مع النفس أوجب.. لو رجعت نقطة واحدة ورا، هينداس عليا لأخر يوم في عمري.”
بدأت الحرب على أصولها. جوزي افتكر إنه هيضغط عليا بالمصاريف والنفقات، أرسل لي مصاريف الولاد ربع المبلغ المعتاد، وبعت لي رسالة تهديد صريحة: “طالما اخترتي المحاكم، استحملي بقى.. مش هتشوفي مني مليم زيادة، والبيت اللي حيلتك مش هتطوليه، والعربية الجديدة اللي شفتيها؟ دي مكتوبة باسم الشريكة الجديدة، يعني قانوناً أنا حافي ومرتبي محجوز عليه لجهات ثانية!”
بقيت أبتسم بمرارة وأنا بقرأ رسائله. كان فاكر إن الست اللي شالت أخته المقعدة وحمتها وعملت لها علاج طبيعي بإيدها سنين، ست ضعيفة هتستسلم لما تتداس بالفقر.
جمعت كل أوراقي القديمة: فواتير الصيدليات اللي كنت بدفعها من جمعيات بعملها مع جيراني، الشهادات الطبية الموثقة لإصابة ضهري وانزلاق الفقرات اللي جالي بسبب شيل أخته وتنقلها، إيصالات الجلسات، وتسجيلات صوتية لإخواته وهما بيهينوني ويطالبوني بالرعاية التامة. وأهم من ده كله، عملت تفريغ موثق لشات الواتساب والصور اللي أثبتت إنه اتجوز وطاير في خياطته ومصاريفه الفارهة في الوقت اللي بيبعت لي فيه مصاريف علاج أخته بالقطارة وبيتحجج بالخسارة.
نزلت مع المحامي، وبدأنا نرفع القضايا: نفقة زوجية، نفقة بنوة، أجر حضانة، وأجر خادمة وممرضة عن السنين اللي فاتت بتقرير طبي يثبت إني قمت برعاية مريضة إعاقة كاملة بناءً على طلب الزوج وتحت ولايته.
في نفس الوقت، كان هو عايش في جحيم حقيقي هو اللي صنعه بإيده. العروسة الجديدة اكتشفت إنه ضحك عليها وإنه مش الرجل المالي الفاره اللي رسمه، وإن شقته مقفولة على اخت مريضة محتاجة ممرضة مقيمة بمرتب خيالي، فرفعت عليه قضية طلاق للضرر وحجر على هداياه وشبكته. وإخواته البنات، اللي كانوا بيجوا يفتشوا عليا وينتقدوا ريحة الشقة، اتقفلت في وشهم كل الأبواب؛ المستشفى رفضت تخرج أختهم غير لما ييجوا يستلموها رسمياً ويوقعوا على التزام برعايتها أو نقلها لدار رعاية خاصة بتكلفة عالية جداً.
في يوم جلسة النفقة الأولى، شفته في محكمة الأسرة. كان ماشي في الممر وطالع ونازل زي التائه. بدلت التوكسيدو الشيك اختفت، وحل محلها قميص مجعد وشعر أبيض طلع في جنبات رأسه فجأة، وعيون مجهدة ومطفية. أول ما شافني ماشية بثبات، وضهري مشدود برغم ألم الفقرات، وقفت قصاده بكل شموخ.
قرب مني بصوت مخنوق وقالي وهو بيبص الأرض: “مرتاحة كده؟ العروسة سابتني ورفعت قضايا، وإخواتي سابوا البت في المستشفى ومش قادرين يدفعوا مصاريف الدار، وأنا أتدينت وعربيتي اتحجز عليها.. دي نهاية خدمتك وصبرك معايا؟ تضيعيني وتضيعي أختي؟”
رديت عليه بنبرة حادة وصوت ثابت سمع الممر كله:
“أنا ما ضيعتش حد.. أنت اللي بعت كل حاجة عشان تشتري كدبة. أنت اللي استخدمت إنسانيتي ووصية أمك كدرع تسند عليه قسوتك وأنانيتك. أختك دي كانت بركة البيت اللي أنت طردتها عشان تجيب الشماريخ والدخان الأبيض.. شربت من نفس الكأس ولا لسه؟”
القاضي ندى على القضايا، ودخلنا الجلسة. المحامي بتاعي قدم كل المستندات، والفيديوهات المرفوعة، وفواتير العلاج، وتقرير الظهر الطبي. القاضي بصل له بنظرة قاسية بعد ما شاف الصور والمحادثات وقالي: “أنصفك الله يا ابنتي.”
خرجت من باب المحكمة، وكان الهواء النقي بيدخل صدري لأول مرة من سنين بدون ريحة معقمات ولا ريحة غدر. التفت لقيت أخواته البنات واقفين على أول الشارع بيحاولوا يتكلموا معايا، مشيت وسيبتهم ورايا زي الهامش. كانت خطوتي تقيلة من تعب الأيام، بس قلبي كان خفيف جداً، وأنا عارفة إن المسألة بقت مسألة وقت قبل ما الحساب يتقفل على الداير.




