منوعات

امى غيرت قفل الباب

أمي غيرت قفل البيت اللي أنا بفتحه وبدفع قسطه كل شهر، وسابتلي العشا في الجراج. ما اتكلمتش ولا اتخانقت. في نفس الليلة قبلت عرض بيع كاش. وصبيحة يوم السبت، وهما قاعدين بيفطروا، جه نجّار معاه أمر إخلاء ومحامي ما حدش فيهم كان متوقعه…

 

أمي نادت عليا وقالتلي “يا ريحة الكيماويات” من ورا الباب المقفول بتاع البيت اللي أنا بشتري بقرقايش أعصابي وفلوسي. ما كانش بيت إيجار، ولا كنت مجرد واحدة بتساعد بحاجات بسيطة في مصاريف البيت. دا بيت كان لسه حيلته حيطة وقايم على حيله عشان اسمي أنا اللي مكتوب في عقد البيع، وفي بنك الإسكان، وفي كل تحويل بنكي منع البنك إنه يحجز على البيت ويحط إيده عليه. ومع ذلك، في ليلة الخميس دي، كنت أنا اللي واقفة في الشارع.

الساعة كانت 9:40 بالليل لما وصلت بعد شفت شغالة فيه 12 ساعة ورا بعض في مصنع شوينز ومطهرات في 6 أكتوبر. جزمة الشغل في رجلي، شعري ملموم لمة كحكة ورا، ولسه ريحة المكلور والمنظفات الصناعية ماسكة في هدومي. إيد شايلة الشنطة، والإيد الثانية شايلة كيس الصيدلية فيه أدوية الضغط والسكر بتاعة بابا.

حطيت المفتاح في الباب. ما لفش. حاولت تاني. فهمت اللعبة. أمي غيرت الكالون. تاني.

رنيت الجرس. ما حدش فتح. خبطت على الباب. من شباك الصالة اللي على الجنب، شفت أخويا كريم قاعد على البار بتاع المطبخ، بياكل حواوشي وبيتفرج على فيديوهات على تيك توك في تليفونه. ومراته، شيرين، واقفة جنبه، وولاده بيلعبوا في الصالة، وبابا قاعد قصاد التلفزيون بيكركب في الريموت. كلهم سمعوني، ولا واحد فيهم قام من مكانه.

— يا أمي، افتحي!
الستارة اتحركت. شفت طرف وشها.
— مش هتدخلي كده.
— يعني إيه مش هدخل كده؟
— بالريحة دي.. أنا مناخيري اتدمرت.

اتنفست بالراحة ورجعت ظهري لورا:
— يا أمي أنا جاية من الشغل!
— روح استحمي في أي داهية ولا عند أي حد من صحابك، ما تجيش تملالي البيت ريحة صابون وكيماويات تقرفنا.

بصيت للباب، وبعدين بصيت لشباك الدور الثاني. أوضتي القديمة كانت هناك. بقول القديمة عشان من سنتين أمي قررت إن شيرين وكريم محتاجين الأوضة الكبيرة دي عشان العيال كبروا. في الأول رموني في أوضة الغسيل فوق السطوح، وبعدها جابوا مشاية كهربائية وحطوها هناك وقالوا الأوضة دي هتبقى جيم، ونزلوني في أوضة صغيرة جنب الجراج بتترد فيها الكراكيب.

— يا أمي، معايا علاج بابا!
— سيبيه على السور بره.
— طب والعشا؟
— حطيتلك طبق في الجراج.

من جوه، سمعت ضحكة عالية كاركة. كريم. دي ما كانتش أول مرة يضحك عليا أو يتريق، بس الليلة دي الضحكة علمت في قلبي قوي. يمكن عشان كنت هلكانة، أو عشان العلامة الحمرا بتاعة جوانتي الشغل لسه معلمة في إيدي وبتوجعني، أو عشان لسه دافعة 2,870 جنيه في الصيدلية لراجل حتى ما هانش عليه يقوم يفتحلي الباب.

دخلت الجراج. على بنش العدة القديم، كان فيه طبق؛ رز أبيض سقعان، وركة فرخة ناشفة من امبارح، وشوكة بلاستيك. وجنب الطبق كان فيه جواب مكتوب عليه اسمي. عرفته على طول.. اللوجو بتاع مكتب الأستاذ سامح المحامي والشهود اللي خلصوا ورق شقة التجمع والبيت. فتحت الجواب تحت لمبة الجراج النيون البيضا، وقلبي دقاته جابت أخرها: “إفادة بانتهاء إجراءات نقل الملكية وحق التصرف الكامل في العقار.”

كلام ناشف وقانوني، بس معناه حاجة واحدة بس وبسيطة جداً: البيت ده بجماله بعفشه بأرضه بقى ملكي أنا رسمي وقانوني.. ومن حقي أبیعه في أي لحظة.

من أربع سنين، محل قطع الغيار بتاع بابا في التوفيقية قفل وربس. ديون للموردين، كمبيالات، وأقساط شقة متأخرة للبنك. أمي قعدت تعيط وتلطم قدامي وتقول 28 سنة شقايا هيروح والبنك هيرميني في الشارع. كريم كان عاطل ومش لاقي شغلة، وشيرين كانت لسه والدة الواد الثاني. أنا الوحيدة اللي كنت شغالة وبقبض مرتب منتظم.

فعملت اللي متعودة أعمله من صغري. شيلت شيلتهم. سددت الديون المستعجلة، ولما البنك رفض يعمل إعادة جدولة باسم بابا عشان سنه والديون، العملية كلها اتقلبت باسمي أنا. حطيت تحويشة عمري، شيلت القرض، وكنت بدفع كل يوم واحد في الشهر قسط 31 ألف جنيه، غير المية، النور، الغاز، النت، مصاريف البيت، وأدوية بابا وأمي. ولما كريم اشتغل في شركة مبيعات واتفصل بعد 7 شهور، قعدت أدفع قسط عربيته سنة كاملة عشان ما تتسحبش منه.

أهلي كانوا دايماً يقولوا نفس الجملة: “معلش يا ندى، فترة وتعدي.. ده وضع موقت.” بس الموقت ده قعد 4 سنين. وكل ما كنت بدفع أكتر، كل ما كنت بحس إني غريبة في البيت ده. أمي بقت ترش معطر جو كل ما أدخل وتقول هدومك ريحتها تقرف. في عزومة عند خالاتي في العيد، قالت قدام الناس كلها إن ندى بتاخد مرتب كويس عشان ما فيش بني آدم طبيعي يستحمل يشتغل في وسط ريحة البلاعات والكيماويات دي طول اليوم إلا هي. الكل ضحك، وأنا ضحكت معاهم، عشان وقتها كنت فاكرة إن لما أضحك على إهانتي، الوجع بيقل.

التليفون هز في إيدي. رسالة من الأستاذة مارينا، المحامية. كنا اتكلمنا من أسبوعين وحكيتلها اللي بيحصل. ما كانش قصدي أبيع البيت وقتها.. بجد. كنت بس عايزة أعرف حقوقي إيه. مارينا راجعت الأوراق، العقود، التحويلات، وإيصالات البنك، وقالتلي كلمة نزلت عليا زي الصاعقة: “يا ندى.. أهلك بيتعاملوا معاكي كأنك قاعدة عندهم ضيفة بالجميلة.. بينما بالقانون، هما اللي عايشين في بيتك وإنتي اللي سامحالهم!”

الجملة دي كانت بتزن في دماغي. الرسالة اللي جت بالليل كانت بتقول: “المشتري لسه مصمم على عرض الكاش. ومحتاج رد أخير قبل يوم السبت الساعة 8 الصبح.. إنتي متأكدة إنك عايزة تكملي ونمضي العقد؟” كان فيه رجل أعمال عايز الشراء من فترة. ما شفتوش، بس كنت عارفة إنه معروض مبلغ يكفي يسدد باقي القسط للبنك، ويفضل معايا مبلغ عمري ما حلمت أشوفه في حسابي لوحدي.

بصيت للطبق الساقع، وبصيت للباب الحديد المقفول اللي بين الجراج والمطبخ. سمعت كريم بيضحك تاني، وبعدها سمعت صوت أمي بتقول له: “ما تفتحهاش.. لو ضعفت معاها مرة مش هتنضبط ولا هتتعلم الأدب.”

مش هتعلم الأدب.. أنا بقالي 4 سنين بدفع دم قلبي عشان ما يترموش في الشارع، بس طلع أنا اللي لازم أتعلم الدرس. كتبت كلمة واحدة لمارينا: “موافقة.”

**بيعة البيت**

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى